الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
174
نفحات الولاية
تَأَسَّى ، وَعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى . وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ ، وَالْمُقْتَصُّ « 1 » لِأَثَرِهِ » . وتطرق إلى نظرته صلى الله عليه وآله إلى الدنيا ، فقال : « قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً « 2 » ، وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً . أَهْضَمُ « 3 » أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً « 4 » ، وَأَخْمَصُهُمْ « 5 » مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً ، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا ، وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ ، وَحَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ ، وَصَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ « 6 » » . إشارة إلى أنّه كان مسلم للَّهبكل كيانه ، يحب ما أحب اللَّه ويعادي من يعاديه اللَّه ، وكل هذه العبارات إشارة إلى زخرف الدنيا الزائفة في أنّ الدنيا مبغوضة وحقيرة وصغيرة وتافهة . القضية المهمّة أنّ حبّ الدينا أساس الظلم والحروب وسفك الدماء ، والذي ينظر إلى زخارفها نظرة حقيرة لن يحبها ويفتتن بها وقلّما يتلوث بآثامها . ثم يخلص إلى نتيجة واضحة فيقول : « وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلَّا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَتَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً لِلَّهِ ، وَمُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللَّهِ » . نعم فسعادتنا في الدارين وصدقنا في ادّعاء الإيمان بالله ورسوله في أن نعظم ما عظّماه ونستصغر ما صغّراه . فقد وقف النبي الأكرم صلى الله عليه وآله موقفاً مخالفاً لزخارف الدنيا ومظاهرها الزائفة ، فكيف نزعم الإيمان به ونحن نعظّم هذه التوافه الدنيوية ونضحي من أجلها بالغالي والنفيس ؟ ! يمكن أن يرد هنا هذا السؤال : إذا كان
--> ( 1 ) . « مقتص » من مادة ( قص ) على وزن نص ، قطع الشيء وقصه ، كما وردت بمعنى متابعة الشيء ، قصة أيضاً بمعنى متابعة حادثة ، ومنه القصاص أيضاً ( 2 ) . « اقضم » تعني في الأصل لوك الأشياء الجافة مقابل الخصم للأشياء الرطبة وابتلاعها ، وأريد بها هنا قلّةالاستفادة من الدنيا ( 3 ) . « اهضم » من مادة ( هضم ) على وزن قدم ، بمعنى الضعف للبدن ، ومنه هضم الطعام حيث تضمر البطن بعدالهضم ، ومنه ضمور الخاصرة والبطن ( 4 ) . « كشح » الخاصرة ( 5 ) . « أخمص » من مادة ( خمص ) على وزن شمس ، خلو البطن اثر الجوع ( 6 ) . الفارق بين التصغير والتحقير ، أنّ الحقير يطلق عادة بشأن الكيفية ؛ مثلًا يعتبر الإنسان المحروم من العلموالمعرفة والصفات الحميدة حقيراً ، أمّا الصغير فيطلق على الشيء القليل من حيث الكمية كالإنسان الصغير العمر وما شابه ذلك ، إشارة إلى عدم قيمة الدنيا وقلتها